الحكيم الترمذي

108

أدب النفس

عن الناس ، واتخذ الجاه عندهم بذلك ، ونال الكرامة في مسيره مقبلا ومدبرا ، وقلبه هاهنا معلق بحب الدنيا ، وما خلّف فيها ، فهذا حاله في الطريق حتى إذا بلغ المنتهى ، فعلى وده أنه لا يلقى عدوّا أبدا ، ولا يسمع بذكره ، فهو مقيم هناك مع حنين قلبه إلى شهواته ومناه التي خلفها وراء ظهره . حتى إذا لقى العدو ، وجاهد مجاهدة مراوغ ، ليس له صدق القتال ، يريد الروغان « 1 » . والنكص على عقبه ، والهرب ، حتى إذا انقضى الجهاد مر منصرفا مسرعا ، إلى شهواته ، التي حن إليها ، وإلى مأواه الذي قد ألفه ، ووطنه الذي قد استوطنه ، قد سلم بنفسه ، وسلم سلاحه ودوابه وعامة نفقته ، فجاء به كما ذهب به إلا النفقة ما أنفق في مسيره ، وما أنفق أيضا فقد طرب إليه وتلذذ ، وقضى مناه وشهواته بتلك النفقة . فهذا قد سمى فعله هذا جهادا ، فلم يكفر فعله ، بل يعطى ثواب نفقته غدا ، وثواب عنائه وتعبه ، وأنه كثّر سواد المسلمين وأعانهم ، وشايعهم .

--> ( 1 ) راغ يروغ روغا وروغانا : حاد . وراغ إلى كذا أي مال إليه سرّا وحاد . « لسان العرب » .